غزة 29-10-2026الأصيل/ يواصل معرض «ضوء في الظل» رسم مسارات جديدة للفن البصري الفلسطيني، عبر الاحتفاء بفن الكوميكس (القصص المصورة) بوصفه أداة تعبيرية حية وقادرة على التقاط التفاصيل المركبة للحياة اليومية والقضايا المجتمعية والوطنية والإنسانية، يأتي ذلك في وقت تتجلى فيه الحاجة الماسة إلى خلق مساحات للتنفس والتعبير الإبداعي، وفي تجربةٍ فنية تُعد الأولى من نوعها وحجمها في قطاع غزة. المعرض، الذي تشرف عليه وتنسقه الفنانة البصرية رفيدة سحويل، لا يقدم مجرد أعمال فنية معلقة على الجدران، بل يطرح رؤية متكاملة لامتلاك أدوات السرد البصري وتحويل الصورة إلى نص ينبض بالحكاية.
احتضن مركز التضامن الإعلامي بمدينة غزة"التابع لنقابة الصحفيين الفلسطينيين"فعاليات المعرض، وسط حضور نوعي لافت جمع عددًا كبيرًا من الفنانين، والمثقفين، والكتاب، والمهتمين بالصناعة الثقافية، إلى جانب أعضاء الأمانة العامة لنقابة الصحفيين. وجاء هذا التجمع الثقافي ليؤكد على الإصرار الجمعي في القطاع على مواصلة النشاط الفني وإتاحة المنصات أمام الطاقات الشبابية، رغم حالة التجريف والإعدام التي طالت المرافق الثقافية والتعليمية.
رحّب د. عاهد فروانة أمين سر نقابة الصحفيين الفلسطينيين خلال كلمته الافتتاحية، بالحضور والمشاركين، مستعرضًا الجهود الاستثنائية التي تبذلها النقابة لاحتضان الفعاليات الفنية والثقافية وتوفير التسهيلات اللازمة لها، حتى وإن كان داخل خيام الصحفيين المجاورة لمركز "رشاد الشوا الثقافي"—هذا الصرح العريق الذي طاله الدمار بفعل حرب الإبادة الشاملة التي استهدفت الشجر والحجر والبشر.
كما وشدد فروانة في حديثه على أن استمرار احتضان الفعاليات الثقافية والفنية، وتوفير المساحات البديلة والبدائية أحيانًا، يُعد واجبًا وطنيًا ونقابيًا لضمان عدم انقطاع حبل التواصل بين المبدع وجمهوره، مؤكدًا أن الفنون والتغطيات الصحفية يقفان في جبهة واحدة للحفاظ على الذاكرة ورواية الحقيقة الفلسطينية للعالم.
ثمرة يانعة لمنحة "حراكات" ومؤسسة عبد المحسن القطان.
من جانبها، قدمت الفنانة البصرية رفيدة سحويل قراءة تفصيلية لخلفيات المشروع، مبيّنةً أن معرض «ضوء في الظل» يأتي محطةً رئيسية ضمن جولة عروض شاملة يقطعها المشروع التنفيذي المنفذ بمنحة كريم من برنامج "حراكات" بدعم ومساهمة أساسية من مؤسسة عبد المحسن القطان. موضحًا أن هذا المعرض يمثل أول تجربة متكاملة ومستقلة لفن الكوميكس في قطاع غزة، حيث يضم لوحات وأعمالًا لفنانين وفنانات صاعدين سبق لبعضهم تقديم لمحات منها في جولات عرض سابقة، ليحتفي هذا العرض بالاكتمال النضجي لأعمالهم.
وأفاضت سحويل في شرح الأبعاد البيداغوجية والفنية للمشروع، مشيرة إلى أن المشاركين خاضوا مسارًا تدريبيًا مكثفًا تعرّفوا خلاله على أبجديات فن الكوميكس وكيفية بناء الكادر، وتوظيف خطوط الرسم والألوان والتتابع الزمني، واستخدام الأدوات البسيطة والمتاحة لتقديم حكايات بصرية عميقة.
وركّز التدريب على توظيف هذا الفن المبسّط والجذاب للغوص في القضايا المجتمعية والإنسانية المركبة، عبر المزج بين الصورة والفكرة والسرد المكتوب أو الضمني داخل اللوحة الواحدة. مؤكدةً أن هذه التجربة فتحت أمام الفنانين آفاقًا لتوسيع أدواتهم التعبيرية الخاصة، واختبار قدرات الكوميكس ولغته البصرية المباشرة والمبتكرة في مد جسور التواصل السريع مع التلقي، ونقل التجربة الإنسانية من حيّز الضغوط اليومية إلى حيّز التأمل والجمال.
وفي سياق متصل، عبّر الفنانون والفنانات المشاركون عن سعادتهم البالغة وشغفهم بهذه المشاركة، مؤكدين أنها شكلت إضافة نوعية ومفصلية في مسيرتهم وتجاربهم الإبداعية الشابة. فيما أشار المشاركون إلى أن المشروع وفر لهم فرصة استثنائية لتطوير مهاراتهم الميدانية والتقنية، والانفتاح على أساليب وسيطة وجديدة في التعبير البصري تدمج ما بين الأدب والرسم والتصميم.
وأجمع المبدعون المشاركون على أن تمكنهم من أدوات فن الكوميكس عزز من ثقتهم بإمكانية المشاركة الفاعلة والتأثير في المشهد الثقافي والفني الفلسطيني، وإيصال أصواتهم وحكاياتهم وحكايات مجتمعهم بأساليب معاصرة تتجاوز الأشكال التقليدية، مما يمنحهم مساحة أكبر للحضور والمنافسة والعرض.
أكدت رفيدة سحويل أن المعنى البصري والفني لـ "ضوء في الظل" يتجاوز بكثير حدود كون المعرض عرضًا فنيًا عابرًا أو تجربة فردية، بل هو صرخة إثبات على أن غزة تصر على إنتاج المعرفة البصرية والثقافية ومراكمة تراثها الفني حتى في أحلك الظروف وأشدها ظلمة. مُضيفةً بكلمات مؤثرة: "حين تُدمّر المؤسسات الثقافية وتُهدم القاعات والمراكز، يتحول الفن في مراحل إنتاجه وعرضه وتداوله بين الناس إلى شكل من أشكال المقاومة وحماية الذاكرة الوطنية والهوية والسردية الفلسطينية. إن التعبير عن الذات وتوثيق التجربة الإنسانية بمختلف اللغات الإبداعية هو حق أصيل للمجتمع لا يمكن مصادرته. ومن هنا تحديدًا، تستمد تجربة "ضوء في الظل" قيمتها الوجودية، بكونها مساحة جامعة بين التدريب والتعلم والممارسة والعرض الجماعي، تمنح جيل الشباب من الفنانين الأدوات الكافية لرواية حكايات أهلم ومجتمعهم وتضمن استمرار النبض الثقافي حيًا وعصيًا على المغيب".
ويأتي معرض "ضوء في الظل" ليرسخ سياقًا واسعًا من الجهود الثقافية والمجتمعية الرامية إلى عدم استسلام المشهد الفني في غزة للواقع المأساوي، بل العمل الدؤوب على خلق بدائل مبتكرة وتوفير منصات مستمرة للفنانين لعرض نتاجهم وتطوير ملكاتهم. إن هذه التظاهرة البصرية تؤكد من جديد قدرة الفنون الاستثنائية على ابتكار مساحات متجددة للتعبير، والتعافي، والتواصل المجتمعي الإيجابي، حتى تحت خطوط النار وفي قلب الظروف القاسية التي يعيشها قطاع غزة.