اليوم 29-10-2026 حين أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على تدمير النصب التذكاري للشهيد ميسرة أبو حمدية عند مفرق الصاحب في حارة أبو سنينة بمدينة الخليل، وتكسير معالمه وهدمه بالكامل، لم يكن المشهد مجرد إزالة بناء من الفضاء العام؛ فقد طال الاعتداء رمزا يحمل معنى الوفاء، ويختصر علاقة مجتمع بشهيده، ويجسد حضور الذاكرة الوطنية في تفاصيل المكان وحياة الناس.
في الخليل، حيث تتداخل الذاكرة العائلية مع التاريخ الاجتماعي والوطني، تبقى النصب التذكارية علامات وشواهد تاريخية تمنح المكان دلالته، وتربط الجغرافيا بسيرة الإنسان، وتجعل من الحيز العام مساحة تحفظ أسماء الذين تركوا أثرا في حياة مجتمعهم. وعندما يقيم الناس نصبا تذكاريا لشهيد، فإنهم يعلنون أن حياته وتضحياته تستحق أن تبقى حاضرة في الوعي العام، وأن المكان الذي عرفه سيظل يحمل شيئا من حكايته.
ميسرة أبو حمدية… من الجرمق إلى الخليل:
تحمل سيرة ميسرة أبو حمدية ملامح جيل فلسطيني تشكل وعيه الوطني في ميادين الثورة والعمل السياسي والتنظيمي، وعاش تجربة الشتات والابتعاد عن الوطن، قبل أن يعود إلى أرضه ويواصل مسيرته في المؤسسات الوطنية. وقد ارتبط اسمه بتجربة كتيبة الجرمق، وبالعمل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وبمسيرة طويلة انتهت بالاعتقال والمرض والاستشهاد في الأسر.
وتمنح هذه السيرة النصب التذكاري دلالته الإنسانية والتاريخية؛ فخلف الاسم المنقوش على الحجر حياة كاملة، وتجربة نضالية، وذاكرة عائلة ومدينة، وتاريخ من التحولات التي عاشها الفلسطينيون بين المنفى والعودة، وبين العمل الوطني ومواجهة الاحتلال.
إن لقب «الجنرال» الذي ارتبط بميسرة أبو حمدية في الذاكرة الشعبية يختزل جانبا من صورته الوطنية، فيما تتجاوز سيرته الألقاب والرتب إلى معنى أعمق: معنى الإنسان الذي ارتبطت حياته بقضية وطنه، وظل اسمه حاضرا بعد رحيله في وجدان من عرفوه ومن يتناقلون حكايته.
ومن الجرمق إلى الخليل نتحدث عن مسيرة نضالية من التاريخ الفلسطيني، حيث انتقلت التجربة الوطنية بين ساحات الشتات ومؤسسات العمل السياسي وأرض الوطن. وحين أقيم نصب يحمل اسمه في مدينته، اكتسبت هذه المسيرة علامة مرئية في المكان، تربط سيرة المناضل بالمدينة التي ينتمي إليها، وتمنح الذاكرة المحلية فرصة لاستعادة حكايته.
آل أبو سنينة… ذاكرة عائلة تتصل بذاكرة الوطن:
ترتبط عائلة أبو سنينة بتاريخ الخليل الاجتماعي والوطني، وبذاكرة حي حمل اسمها، وبحكايات التضحيات التي تناقلتها العائلات الفلسطينية خلال مسيرتها الطويلة تحت الاحتلال. وفي مثل هذه البيوت، لا تبقى سيرة الشهيد شأنا خاصا بأسرته؛ إذ تتحول إلى جزء من ذاكرة الحي، وإلى حكاية تتناقلها الأجيال، وتستعيد من خلالها معنى الفقد والصمود والانتماء.
إن الحديث عن عائلة أبو سنينة يقتضي النظر إلى تاريخها بوصفه جزءا من تاريخ الخليل، بما يحمله من علاقات اجتماعية وروابط عائلية وتضحيات وطنية. فالعائلة الفلسطينية لا تحفظ أسماء أبنائها في الذاكرة وحدها، وإنما تحفظ أيضا تفاصيل البيوت والأحياء والمناسبات والأماكن التي ارتبطت بحياتهم. ولهذا، فإن النصب التذكاري في محيط الحارة يحمل قيمة تتجاوز موقعه الجغرافي، لأنه يتصل بوجدان الناس وبحقهم في تخليد من فقدوا.
ولا ينبغي اختزال تاريخ العائلة في صور الشهداء وحدها؛ فذاكرتها أوسع من الفقد، وتشمل أدوارها الاجتماعية والثقافية، وعلاقاتها بالمدينة، ومساهماتها في حياة المجتمع. غير أن استحضار تضحيات أبنائها يظل جزءا أساسيا من قراءة تاريخ الخليل وفهم ما تحملته عائلاتها في مواجهة الاحتلال.
حارة قيطون… ذاكرة حية لا زالت تنبض بالنضال:
تحتفظ أحياء الخليل بحكايات لا تكتبها الخرائط وحدها. فالحارة فضاء تتشكل فيه العلاقات بين الناس، وتتوارث فيه العائلات رواياتها، وتكتسب الأزقة والمفارق والبيوت معاني تتجاوز وظيفتها العمرانية. ومن هذا المنظور، تمثل حارة قيطون وما يرتبط بها من محيط اجتماعي وعمراني جزءا من النسيج التاريخي للخليل، حيث تتداخل أسماء الأماكن مع ذاكرة السكان وتجاربهم.
إن المكان في الوعي الفلسطيني سجل مفتوح؛ فالمفرق قد يرتبط بشهيد، والبيت قد يحمل حكاية عائلة، والزقاق قد يستعيد في ذاكرة أهله مشاهد من حياة غابت تفاصيلها عن الوثائق الرسمية. ومع مرور الوقت، تصبح هذه التفاصيل جزءا من التراث الاجتماعي الذي يستحق التوثيق، لأنها تشرح كيف عاش الناس، وكيف بنوا علاقتهم بأحيائهم، وكيف منحوا الجغرافيا معنى إنسانيا ووطنيا.
ومن هنا، فإن تدمير نصب تذكاري في فضاء تتشابك فيه الذاكرة العائلية مع الذاكرة الوطنية يترك أثرا يتجاوز إزالة المعلم ذاته. إنه يغيّر علامة مألوفة في المشهد البصري، ويفتح سؤالا حول حق السكان في حفظ رموزهم، وحول العلاقة بين السيطرة على المكان ومحاولات تغيير معانيه.
فلسفة هدم النصب التذكارية… من الحجر إلى الذاكرة:
لفهم الأثر العميق لتدمير النصب التذكارية، ينبغي النظر إلى المعلم بوصفه تعبيرا ماديا عن ذاكرة غير مادية. فالحجر لا يحمل قيمته من مادته وحدها، وإنما من الاسم الذي يخلده، والسيرة التي يستدعيها، والمجتمع الذي منحه معناه. وقد يبدو النصب صغيرا في حجمه، لكنه يشغل مساحة واسعة في وجدان العائلة والحي والمدينة.
في الفلسفة الثقافية، ترتبط الذاكرة بالمكان لأن الإنسان يستعين بالعلامات المادية كي يستعيد الماضي ويمنحه حضورا في الحاضر. فالمكان يساعد الذاكرة على الاستمرار، ويحول الحكاية من رواية فردية إلى معنى مشترك يتداوله الناس. ومن هنا، فإن النصب التذكاري يؤدي وظيفة تتجاوز التكريم؛ فهو يربط الأجيال بسيرة سابقة، ويمنح المجتمع وسيلة للتعبير عن فهمه لتاريخه وقيمه.
وعندما يتعرض هذا المعلم للهدم، يقع الاعتداء على مستويين متداخلين. الأول مادي، يتمثل في إزالة النصب من موقعه وتغيير المشهد الذي اعتاد الناس رؤيته. والثاني رمزي، يتعلق بالمعنى الذي يمثله المعلم، وبالعلاقة التي تربط اسم الشهيد بالمكان العام. وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه المسألة حساسية خاصة لأن المكان نفسه يشكل عنصرا أساسيا في الهوية والذاكرة والانتماء.
إن السيطرة على المكان لا تقتصر على التحكم في حدوده أو مداخله؛ فقد تمتد آثارها إلى الرموز التي تمنحه دلالته، وإلى الأسماء التي يستحضرها، وإلى الروايات التي يتناقلها سكانه. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة استهداف النصب التذكارية ضمن سؤال أوسع عن الذاكرة والسلطة: من يملك حق تحديد ما يظهر في الفضاء العام؟ ومن يقرر أي الأسماء تستحق الحضور، وأي الحكايات يسمح لها بأن تبقى مرئية؟
هذه الأسئلة لا تعني أن كل عملية هدم تحمل بالضرورة الدافع نفسه؛ ففهم دوافع كل واقعة يتطلب أدلة موثقة. غير أن تكرار الاعتداءات على الرموز الفلسطينية يستدعي دراسة آثارها المتراكمة في المشهد الثقافي، وفي قدرة المجتمعات على إبقاء ذاكرتها حاضرة في الأماكن التي تعيش فيها.
إن إزالة النصب قد تمحو العلامة من الطريق، لكنها لا تملك وحدها القدرة على محو السيرة من الوجدان. فالمعنى الذي يمنحه المجتمع لشهيده يتوزع بين الذاكرة الشفوية والصور والوثائق والمناسبات العائلية والروايات المحلية. ولهذا، قد يتحول هدم النصب إلى مناسبة لاستعادة قصة الشهيد، وإعادة تداول اسمه، وجمع الشهادات حول حياته، وتوثيق ما جرى للمعلم الذي أقيم تخليدا له.
ومن المفارقات العميقة أن محاولة إزالة علامة من المشهد قد تزيد الانتباه إلى دلالتها؛ إذ يصبح الهدم نفسه واقعة تستدعي السؤال والبحث والتوثيق. ومع ذلك، لا ينبغي الاكتفاء بهذه المفارقة أو اعتبارها بديلا عن حماية المعالم، فخسارة الشاهد المادي تظل خسارة تستحق التوثيق والمعالجة، وإعادة البناء متى أمكن ذلك.
النصب التذكارية الفلسطينية… الوفاء بوصفه ممارسة ثقافية:
تحمل النصب التذكارية في فلسطين معاني الوفاء والتقدير، لكنها تؤدي أيضا وظيفة توثيقية في تاريخ المجتمع. فهي تحفظ الأسماء في الفضاء العام، وتربط الشخصيات بالأحياء التي نشأت فيها أو ارتبطت بها، وتمنح الأجيال فرصة للتعرف إلى سير لم تعش أحداثها مباشرة.
وتتصل هذه المعالم بمفهوم التراث التذكاري، الذي يشمل الشواهد والنصب والأضرحة والجداريات وغيرها من العناصر التي يصنعها المجتمع لحفظ ذاكرته. وتنبع قيمتها من ارتباطها بالناس وبالسياق الذي نشأت فيه، ومن قدرتها على تقديم معرفة عن طرائق التعبير عن الفقد والتكريم والانتماء.
ولهذا، فإن حماية النصب التذكارية لا تنفصل عن حماية التراث الثقافي. فالتوثيق العلمي لهذه المعالم ينبغي أن يشمل صورها ومواقعها وتاريخ إنشائها وسير الشخصيات التي تحمل أسماءها، إلى جانب تسجيل شهادات الأهالي والباحثين وكل من يمتلك معرفة موثوقة بتاريخها. كما أن توثيق المعالم التي تعرضت للهدم يحفظ معلومات قد تتعذر استعادتها لاحقا، ويتيح للباحثين دراسة التغيرات التي طرأت على المشهد المكاني والرمزي.
وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات الثقافية والبلديات والجامعات والباحثين والعائلات في بناء أرشيف فلسطيني للنصب التذكارية، بحيث تصبح هذه المعالم جزءا من المعرفة التاريخية المتاحة للأجيال القادمة. فحفظ الذاكرة يحتاج إلى عمل مؤسسي مستمر، يجمع بين البحث الميداني والتوثيق البصري والرواية الشفوية والتحقق من المعلومات.
الخليل وحق المكان في روايته:
إن تدمير النصب التذكاري للشهيد ميسرة أبو حمدية في محيط حارة أبو سنينة يضع أمامنا سؤالا جوهريا: كيف يمكن لمجتمع أن يحمي ذاكرته عندما تتعرض علاماتها المادية للاستهداف؟
تبدأ الإجابة من الاعتراف بأن الذاكرة مسؤولية جماعية. فتوثيق سيرة الشهيد، وحفظ تاريخ العائلة، وتسجيل حكايات الحارة، وتصوير المعالم قبل هدمها وبعده، كلها ممارسات تمنح الذاكرة أدوات للاستمرار. كما أن إعادة بناء النصب، متى توافرت الإمكانات والظروف، يمكن أن تعيد حضوره في المكان وتؤكد قيمة الوفاء التي أقيم من أجلها.
أما على المستوى الثقافي، فإن المطلوب هو التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها موضوعا للبحث والتوثيق، لا مجرد مشهد عابر في الأخبار. فكل اعتداء على معلم تذكاري يطرح أسئلة عن تاريخ المكان، وعن علاقة المجتمع برموزه، وعن أثر التحولات السياسية والعمرانية في الذاكرة المحلية. وهذه الأسئلة تستحق أن تتحول إلى دراسات وأرشيفات وشهادات تحفظ التفاصيل وتتيح قراءتها بعين الباحث.
ميسرة أبو حمدية جزء من تاريخ الخليل وذاكرتها، وعائلة أبو سنينة جزء من نسيجها الاجتماعي والوطني، وحارات المدينة تحمل طبقات متراكمة من التجربة الإنسانية الفلسطينية. أما النصب الذي هدمه الاحتلال، فقد أصبح هدمه نفسه واقعة تستحق التوثيق والحفظ ضمن سجل التحولات التي تطال المعالم والرموز الفلسطينية.
قد تتغير ملامح المكان بفعل الهدم، لكن معنى المكان يتشكل أيضا من ذاكرة أهله، ومن قدرتهم على حفظ الروايات ونقلها بأمانة. ومن هنا، فإن الوفاء للشهداء يتجسد في صون أسمائهم، وفي توثيق سيرتهم، وفي حماية المعالم التي تحمل ذكراهم، وفي نقل تاريخهم إلى الأجيال القادمة بوصفه جزءا من تاريخ المجتمع الفلسطيني وحقه في حفظ روايته.
فالحجر يحمل الاسم، والمكان يحفظ الحكاية، والذاكرة تمنح كليهما معنى يتجاوز الغياب.